محمد متولي الشعراوي

5806

تفسير الشعراوى

يسرق شاعر - مثلا - قصيدة من شاعر آخر ، أو أن ينتحل « 1 » كاتب مقالة من آخر . لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبلّغكم أن كمال القرآن ليس من عنده ، بل هو مجرد مبلّغ له ، وكان يجب أن يتعقّلوا تلك القضية بمقدّماتها ونتائجها ؛ فلا يلقوا لأفكارهم العنان « 2 » ؛ ليكذبوا ويعاندوا ، فالأمر بسيط جدا « 3 » . يقول الحق سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) [ يونس ] إذن : فالمقدمة التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أرسله اللّه رسولا من أنفسهم « 4 » ، فإن قلت : إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . ( 164 ) [ آل عمران ] أي : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم من جنس الناس ، لا من جنس الملائكة ، أو مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي : من أمة العرب ، لا من أمة العجم ، أو مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي : من قبيلتهم التي يكذّب أصحابها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . إذن : فحياته صلّى اللّه عليه وسلّم معروفة معلومة لكم ، لم يغب عنكم فترة ؛ لتقولوا

--> ( 1 ) ينتحل الشئ : ينسبه إلى نفسه . نحله القول : نسبه إليه . ونحل الشاعر قصيدة إذا نسبت إليه وهي من قيل غيره . [ لسان العرب : مادة نحل ] . ( 2 ) العنان : عنان اللّجام : السّير الذي تمسك به الدابة ، والجمع : أعنّة . والعنان : الحبل . والمراد هنا : تشبيه الأفكار بالبعير الذي له عقال أو عنان ؛ إذا أرخيته له سار وانطلق كما يشاء ويهوى على غير هدى . والعنان للدّواب كالعقل للإنسان فإذا فسد العقل ضلّ صاحبه ، وإذا لم يعقل الإنسان أفكاره يضلّ . [ لسان العرب : مادة ( عنن ) - بتصرف ] . ( 3 ) فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، يقول الحق سبحانه : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت ] . ( 4 ) وفي هذا يقول الحق سبحانه : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) [ التوبة ] .